الجاحظ

169

رسائل الجاحظ

التهمة ، وليس كشف المتهم من التجسس ولا امتحان الظنين من هتك الستار ، ولو كان كل كشف هتكا وكل امتحان تجسسا لكان القاضي أهتك الناس لستر وأشد الناس كشفا لعورة . والذين خالفوا في العرش إنما أرادوا نفي التشبيه فغلطوا ، والذين أنكروا أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجساما وأجراما غلاظا . فإن كانوا قد أصابوا فلا سبيل عليهم ، وإن كانوا قد أخطئوا فإن خطأهم لا يتجاوز بهم إلى الكفر ، وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه للخالق بالمخلوق ، فبين المذهبين أبين الفرق . وقد قال صاحبكم للخليفة المعتصم يوم جمع الفقهاء والمتكلمين والقضاة والمحصلين إعذارا وانذارا : امتحنتني وأنت تعرف المحنة وما فيها من الفتنة ، ثم امتحنتني من بين جميع هذه الأمة ؟ قال المعتصم : أخطأت ، بل كذبت ! . . . وجدت الخليفة قبلي قد حبسك وقيدك ، ولو لم يكن حبسك على تهمة لأمضى الحكم فيك ، ولو لم يخفك على الاسلام ما عرض لك ! فسؤالي إياك عن نفسك ليس من المحنة ولا من طريق الاعتساف ولا من طريق كشف العورة ، إذ كانت حالك هذه الحال وسبيلك هذه السبيل . وقيل للمعتصم في ذلك المجلس : ألا تبعث إلى أصحابه حتى يشهدوا إقراره ويعاينوا انقطاعه فينقض ذلك استبصارهم فلا يمكنه جحد ما أقربه عندهم ؟ فأبى أن يقبل ذلك وأنكره عليهم وقال : لا أريد أن أوتي بقوم إن اتهمتهم سرت فيهم بسيرتي فيه ، وإن بان لي أمرهم أنفذت حكم اللّه فيهم ، وهم ما لم أوت بهم كسائر الرعية وكغيرهم من عوام الأمة ، وما شيء أحب إلي من الستر ، ولا شيء أولى بي من الأناة والرفق . وما زال به رفيقا وإليه رقيقا . ويقول : لأن استحييك بحق أحب إلي من أن أقتلك بحق . حتى رآه يعاند الحجة ويكذب صراحا عند الجواب ، وكان آخر ما عاند فيه وأنكر الحق وهو يراه أن أحمد بن أبي داود قال له : أليس لا شيء إلا قديم أو حديث ؟ قال : نعم . قال : أو ليس القرآن شيئا ؟ قال : نعم قال : أو ليس لا قديم إلا اللّه ؟ قال : نعم . قال : فالقرآن إذا حديث ! قال : ليس أنا متكلم . وكذلك كان يصنع في جميع مسائله